السيد محمد حسين الطهراني
270
معرفة الإمام
( وتُسْتَبْدَلُ صفحة عالم العدم بصفحة عالم الوجود بمظاهرها وظواهرها ) وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأعْجَبَ مِنْ إنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا . وَكَيْفَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا ، وَمَا كَان من مُراحِهَا ( ما اخذ إلى حظيرته ليلًا ) وَسَائِمِهَا ( التي تُطلق وترعى في المراتع ) وَأصْنَافِ أسْنَاخِهَا وَأجْنَاسِهَا ، وَمُتَبَلِّدَةِ امَمِهَا وَأكْيَاسِهَا عَلَى إحْدَاثِ بِعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إحْدَاثِهَا ، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إلَى إيجَادِهَا ، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا في عِلْمِ ذَلِكَ وَتَاهَتْ ، وَعَجَزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً عَارِفَةً بِأنَّهَا مَقْهُورَةٌ ، ( ومغلوبة بقوّة الله وسيطرة سلطانه ) مُقِرَّةً بِالعَجْزِ عَنْ إنْشَائِهَا ، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إفْنَائِهَا . ( لأنّ إفناءها أيضاً بأساب هي بِيَدِ الله ، فإذا لم يَشَأ ، لم تستطع أن تُهيّئ الأسباب ، ويمكن أن يفيض الله تعالى على تلك البعوضة بقدرة تساوي قدرة أهل الدنيا كلّهم ، وتغلبهم بها ) . وَإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لَا شَيءِ مَعَهُ ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتَدِائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا بِلَا وَقْتٍ وَلَا مَكَانٍ ، وَلَا حِينٍ وَلَا زَمَانٍ . عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الآجَالُ وَالأوْقَاتُ ، وَزَالَتِ السِّنُونَ وَالسَّاعَاتُ ، فَلَا شَيءَ إلَّا اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ الذي إلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الامُورِ . بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا ، وَبِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا . وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الامْتِنَاعِ دَامَ بَقَاؤُهَا . لَمْ يَتَكَاءَدْهُ ( لم يعسر عليه ) صُنْعُ شَيءٍ مِنْهَا إذْ صَنَعَهُ ، وَلَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَبَرَأهُ ، وَلَمْ يُكَوّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ ، وَلَا خَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ ، وَلَا لِلاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِر ، ( شبيه له قويّ منازع ) وَلَا لِلاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثاوِرٍ ، ( ضدّ يخاصم ويعاند ) وَلَا لِلازْدِيَادِ بِهَا في مُلْكِهِ ، وَلَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ في شِرْكِهِ ، وَلَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأرَادَ أنْ يَسْتَأنِسَ إلَيْهَا . ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينَها ، لَا لِسَأمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ في تَصْرِيفِهَا